أحمد بن علي القلقشندي

312

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أعداء الدين وصارم ، من تضرب بشجاعته الأمثال ، ويورد في صدور الأبطال صمّ الأسل النّهال ، ويحمي حمى الثّغر فلا يدع عدوّا ولا يرهب نهبا ، ويرقى رقاب الكفر فيؤمنون وإن كان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا ( 1 ) ولما كان الجناب الكريم فلان - أدام اللَّه تعالى نعمته - هو الَّذي أخلص في الطَّاعة ، ونصح سلطانه حسب الطاقة والاستطاعة - رسم بالأمر الشريف العالي - لا زال سيف عدله ماضيا ، وكلّ بحكمه راضيا - أن يستقرّ الجناب المشار إليه كاشفا بالرّملة المعمورة ، على عادة من تقدّمه في ذلك . فليباشر ذلك معمّرا تلك البلاد بعدله ، مجتهدا على إيصال الحقّ إلى أهله ، وليتخذ الشّرع الشريف إماما ، وليتوخّ أوامره ونواهيه نقضا وإبراما ، وليقف عند حدوده المشروعة ، ولا يتعدّها : ومن يتعدّ حدود اللَّه فيده من برّ الإيمان منزوعة ، وليلن جانبه للرّعية ، وليحملهم من العدل والإنصاف على المحجّة الواضحة الجليّة ، [ فإنّهم الرعية الضّعفاء الذين أنعم اللَّه عليهم بتفويض أمورهم إليه ] ( 2 ) ، وليعتمد فيهم قول النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلم : « اللَّهمّ من ولي من أمور أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شقّ عليهم فاشقق عليه » . والوصايا كثيرة وأهمّها التّقوى فليلازم عليها فإنّها تحفظه ، وبالسيادة والسعادة تلحظه ؛ واللَّه تعالى يكمّل توفيقه ، ويسهّل إلى نجح المقاصد طريقه ؛ والاعتماد في معناه ، على الخط الكريم أعلاه . قلت : ومن تأمّل وصايا هذه التواقيع الثلاثة المتقدّمة الذكر ، علم ما كان عليه كتّاب الزمان ، من انتزاع الفقرات من توقيع ، وترصيعها في توقيع آخر ، من غير تغيير لفظ في أكثرها .

--> ( 1 ) من الآية الكريمة : وكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً - الكهف / 79 . ( 2 ) الزيادة مأخوذة مما تقدم .